حول الانتخابات
19/3/2018 13:10

أثارت الأزمات السياسية المتعاقبة اهتمام وسائل الإعلام العبرية على نحوٍ لم نعهده منذ زمن. ولعلّ ما شهدناه هذا الأسبوع لم نشهده منذ عقود طويلة. فرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أراد تقديم موعد الانتخابات بأيّ ثمن، غير أن شركاءه في الائتلاف وكتلة المعسكر الصهيوني

الّتي تلاحقها الشرطة والإعلام ليل نهار. كما أنّ آخر استطلاعات للرأي تؤكّد بأنّ نتنياهو سيحقّق انتصارًا كبيرًا في حالة تقديم موعد الانتخابات. من هنا نفهم سبب استماتته تقديم موعد الانتخابات. إلّا أنّ شركاء نتنياهو كانوا أكثر ذكاءً ودهاءً عندما شكّلوا جبهة موحّدة من أجل الحفاظ على الائتلاف وعدم الانجرار خلف رغبات نتنياهو ورفض تقديم موعد

من الأزمة الأخيرة.

ولكن ما يُثير العجب في هذه المسألة هو موقف القائمة العربية المشتركة، حيث انضمّ نوّابنا العرب "لجبهة" بينيت- درعي وأعلنوا موقفًا صريحًا مُعارضًا لحلّ الائتلاف اليمينيّ ومُعارضًا لإجراء انتخابات مبكّرة! وهذا الموقف المُريب يثير لدينا تساؤلات عدّة أوّلها: لماذا تخاف القائمة المشتركة من الانتخابات؟ لا شكّ أنّ أزمة التناوب وإخلال أحد الأطراف باتّفاق التناوب جعل مكانة هذه القائمة محلّ شكّ وريبة في صفوف الجماهير العربية في هذه البلاد. حيث حاول بعض المدسوسين ضرب الوحدة العربية في الصميم، من خلال تعنّت بعض النوّاب في التنازل عن الكرسي. حتّى أنّ معظم الجماهير العربية باتت تنعت القائمة المُشتركة بقائمة الكراسي. ونحن كنّا نعلم أنّ تشكيل القائمة المشتركة كان مجرّد وسيلة لتجاوز نسبة الحسم، وفي حالة إعادة نسبة الحسم إلى سابق عهدها فإنّنا سنعود لنشهد الفرقة والتناحر على الأصوات.

كما أنّ الجماهير العربية لا زالت تطالب بإدخال دم جديد إلى الكنيسيت، لأنّنا نحتاج فعلًا لعمل برلمانيّ ناجع ومفيد للجماهير العربية، بعيدًا عن "الجعجعات" والشعارات الفضفاضة الّتي لم تعد تنطلِ أحد. فهذه تصلح لمقاطع "الواتس آب" و "الانستغرام" ولكنّها لا تفيد أيّ أحد في نضالنا العادل من أجل تحصيل الحقوق والمساواة الكاملة. ونحن لا نقصد تشكيل أحزاب وكتل جديدة، بل نريد أن يأتي هذا التغيير من داخل الأحزاب العربية الفاعلة على الساحة. فما الّذي يبرّر بقاء عضو كنيست لمدّة تزيد عن الـ20 سنة؟ لقد تحوّل التمثيل البرلماني اليوم إلى تمثيل "مخاتير" وأصبحت الكراسي غاية لا وسيلة. وعندما دقّ ناقوس الانتخابات المبكّرة هذا الأسبوع، ارتعدت فرائصهم، وتحالفوا مع اليمين المتطرّف من أجل الحفاظ على الكراسي. "مالكم كيف تحكمون"!

وفي المُقابل كان رؤساء السلطات المحلية العربية يتابعون ويراقبون كلّ جديد يتعلّق بالأزمة الأخيرة، وكان معظم الرؤساء العرب يتمنّون أن تسقط الحكومة ويحلّ الائتلاف ويتمّ تقديم موعد انتخابات الكنيست، لأنّ هذا سيؤدّي حتمًا إلى تأجيل موعد انتخابات السلطات المحلية العربية ممّا سيتيح لهم تصحيح بعض الأخطاء وتعزيز قوّتهم لدى المواطنين. ولكن "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن" فقد تمّ إحباط خطّة نتنياهو في تقديم موعد الانتخابات وبالتالّي فإنّ أمل رؤساء السلطات المحلية معقود على قرار المستشار القضائي للحكومة، فإنّ اتّخذ قرارًا دراماتيكيًا حاسمًا فإنّ حكومة نتنياهو ستسقط لا محالة وعندها قد يتمّ تقديم موعد انتخابات الكنيسيت وتأجيل انتخابات السلطات المحلية. ويعتمد بعض الرؤساء على حنكة نتنياهو السياسية، فهم يؤمنون بأنّه قادرٌ على اختلاق أزمة سياسية جديدة من أجل تحقيق غاياته ومآربه. وفي كلّ الحالات فإنّ موقف رؤسائنا العرب مُثير للشفقة فهم يرفعون شعار "مصائب قوم عند قومٍ فوائد". ولكنّهم لا يعلمون أنّهم "كالأيتام على موائد اللئام"، وذلك لأنّ شؤون المواطنين العرب في هذه البلاد لا تهمّ الحكومة اليمينية في إسرائيل، وقد تتفق المصالح أحيانًا- كما يحدث الآن بين القائمة المشتركة والبيت اليهودي وشاس- ولكن سرعان ما ينقشع الضباب لنعود ونبكي على حالنا وحال "ولاة أمرنا".

والمُشكلة أنّ العالم من حولنا يتحرّك قدمًا في سٌبل العلم والمعرفة، ولا تعير الشعوب المتقدّمة اهتمامًا كبيرًا لمسألة الانتخابات، بينما هي شغلنا الشاغل، حتّى أنّ إحدى الدول الإسكندنافية قد فرضت غرامة مالية على من لا يقم بحقّه بالانتخاب. وفي إحدى الانتخابات الّتي جرت قبل أعوام في تل أبيب بلغت نسبة التصويت أقلّ من 33%. بينما لا تزال الانتخابات المحلية تحتل أكبر حيّز من اهتماماتنا وأحاديثنا، ولولا الحياء لتجاوزت نسبة التصويت في بعض القرى نسبة الـ 100%. ولعلّ هناك من يراقب هذه الأوضاع ويبتسم ولسان حاله يقول: إذا أردت أن تزرع الفوضى في صفوف العرب فاجعلهم ينتخبون!

ولو عكسنا كلّ ما يحدث على مدينة شفاعمرو، وهي من أهمّ المدن العربية في البلاد، فنرى أنّها مدينة موبوءة بالانتخابات، لدرجة لا يخلو مجلس أو منتدى من أحاديثها. وهذا أمرٌ سلبيّ يعيق عجلة التطوّر، ويرفع من نسبة الضغينة والأحقاد، ويقود إلى العنف الكلاميّ الّذي يتبعه عنف جسديّ وتخريب للممتلكات.

عندما سألنا الحاج إبراهيم صبح رئيس قائمة الفجر عن رأيه في كلّ ما يدور من أحاديث حول تقديم موعد انتخابات الكنيست وتأجيل انتخابات السلطات المحلية. فكّر ثمّ ابتسم وأجاب، ليتهم يعجّلون بها لننتهي منها ونفرغ لخدمة أهلنا، وأكّد صبح أنّ آخر همّ الفجر هي الانتخابات، وما يسهّل علينا الأمور هو اتّخاذ المواقف الصلبة الّتي جاءت لتعبّر عن الرؤيا الصادقة للفجر. ويرى الحاج إبراهيم أنّ الانتخابات المقبلة هي فرصة سانحة لتغيير التركيبة الطائفية لتوزيع المناصب في البلدية، مؤكدًا أنّ الفجر لن تدعم أيّ مرشّح قبل أن يعلن جهارة عن استعداده لتقويض النظام الطائفي المعمول به.

المتربّصون في هذه الأيّام كُثر بيد أنّ جلّهم لا يكادون يفقهون شيئًا في السياسة، وقد تُعاني القوائم الموسمية كثيرًا في الانتخابات القادمة لأنّها تتصرف وفق أهواء ومزاج قد لا يعبّر عن الإرادة الشفاعمرية الحقّة.

أمّا الأحزاب العربية- خاصة تلك الّتي تأبى التجدّد- فينطبق عليهم قول الشاعر: "أقم عليهم مأتمًا وعويلا". 

اضف تعليق
الاسم الشخصي :
البريد الالكتروني :
الموضوع :
التعليق :
حكمة اليوم
من لم يكن عقله أكمل ما فيه .. كان هلاكه أيسر ما فيه
جريدة الفجر الساطع
خبر في صورة